ديناميكيات العلاقات في آسيا الوسطى: تهديدات الأمن ووعود الاقتصاد

1635 عدد المشاهدات التحليل 0

ببيشكيك في 19 يناير - كانون الثاني/قابار/. تناقش هذه الورقة التحديات التي تواجه الأمن الاقتصادي لمنطقة آسيا الوسطى، وتتناول التهديدات والديناميكيات الجديدة التي تستهدف الموارد الطبيعة في تلك المنطقة، وهو ما يرتبط بالدور الجيوسياسي للصين.

بعد فشل الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) في بسط سيطرتها على منطقة الشرق الأوسط، اتخذت هدفًا لها بسط نفوذها على ما أُطلق عليه في السابق "نقطة ضعف الاتحاد السوفيتي"، ألا وهي آسيا الوسطى، فهذه المنطقة محاطة بنظم هشَّة وقمعية لشعوبها. وحيث إن تنظيم الدولة وشبكات أخرى تتنافس في ترسيخ قدمها في آسيا الوسطى، فإن القوى الإقليمية تسعى لفرض أجنداتها الجيوسياسية. تلقي هذه الورقة الضوء على التحديات والفرص التي تواجه دول آسيا الوسطى وتحكم علاقاتها وصراعاتها.

وتتطرق الورقة إلى بعض التحديات التي تواجه الأمن الاقتصادي لمنطقة آسيا الوسطى، وتتناول التهديدات وكذلك الديناميكيات الجديدة التي تستهدف الموارد الطبيعة في تلك المنطقة. وتبحث أيضـًا كيف أن المبادرات الصينية العملاقة يمكن أن تتمخض عن رخاء كبير إذا تناغمت مع تطلعات شعوب تلك المنطقة، أو كيف يمكن أن يكون لها تداعيات مستقبلية وخيمة. ولا يمكن في هذا السياق إغفال التداعيات التاريخية للنزاع الأفغاني على الشرايين الاقتصادية وكذلك أهمية تلك الدول في التكامل الإقليمي.

ويأتي موضوع هذه الورقة مرتبطًا بصورة وثيقة بالدور الجيوسياسي المستمر للصين ومصالحها إضافة إلى الزخم اللاحق في العلاقات التجارية مع آسيا الوسطى وكذلك فرصة آسيا الوسطى في تنويع علاقاتها التجارية مع بقية دول العالم. ومع وضع بكين لمصالحها الاقتصادية بعين الاعتبار، فإنها تسعى إلى توسيع نفوذها الاقتصادي عبر آسيا الوسطى، وتحديدًا القيام تدريجيًّا بتقليص اعتماد الصين على الواردات المنقولة بحرًا. إن التحول الجاري في القوى الاقتصادية العظمى العالمية تمخض عن فرصة أخرى في منطقة آسيا الوسطى، لكن لا يمكن إغفال النزاع والعلاقات المضطربة بين الهند وباكستان غيرها من الدول مما يقلِّل من الأهمية الاستراتيجية لمستقبل هذه المنطقة.

آسيا الوسطى: مكانة راسخة، ولكن!

من منظور السياسة العالمية، فإن آسيا الوسطى قد رسخت مكانتها كمنطقة ذات أبعاد جيوسياسية بالغة الأهمية، وتحتاج إلى بعض التسويات الاستراتيجية لتحقيق الهدف المرجو بخلق توازن قاري مستقر. كما أن سحر اغتنام ثروات بحر قزوين من الموارد الطبيعية دفع الإدارة الأميركية إلى توسيع نفوذها في آسيا الوسطى، بما يعرِّض هذه المنطقة لمواجهة عالمية واسعة بين الولايات المتحدة وروسيا. من جهة أخرى، فإن "الجماعات الإرهابية" التي تكونت داخليًّا وكذلك الشبكات الإرهابية في أفغانستان وباكستان يمكن أن تصب الزيت على نار الوضع المتذبذب والهش للنظام في منطقة آسيا الوسطى.

وبعد ما أُطلق عليه هزيمة تنظيم الدولة في الشرق الأوسط، لم يعد أمام هذه الجماعة سوى أن تبحث عن قاعدة جديدة لخلافتها المزعومة. ومن هذا المنطلق، فقد وضعت قدمها بالفعل في إقليم خراسان. ولهذا، فإن مسؤولي الأمن في موسكو ودول آسيا الوسطى يشعرون بالقلق من قيام تنظيم الدولة باستغلال أفغانستان كقاعدة انطلاق لها في اختراق منطقة آسيا الوسطى. وبات هذا القلق أكثر واقعية بعدما أعلنت الحركة الإسلامية في أوزبكستان عن تحالفها مع تنظيم الدولة.

التحديات التي تواجه الأمن الاقتصادي

تتمتع منطقة آسيا الوسطى بثروات طبيعية لا حصر لها بدءًا بالمعادن وصولًا للغاز وانتهاء بالنفط. ولكن منذ استقلالها، هيمن الشك والخوف على بقاء هذه المنطقة ومستقبلها الاقتصادي. كما أن المستقبل الاقتصادي الاجتماعي لآسيا الوسطى يتوقف بشكل كبير على التكامل الإقليمي والدور الجيوسياسي الذي تلعبه الصين في تلك المنطقة.

وتبدو المنطقة نقطة ارتكاز للطموحات الجيوسياسية لكل من الصين والولايات المتحدة على حدة، وهذا يجعل تحدي توقع شكل هذه المنطقة في المستقبل غاية في الصعوبة. فالدور الاقتصادي المتنامي للصين في آسيا الوسطى منذ مطلع عام 2000 ليس بمستغرب إذا وضعنا بعين الاعتبار قربهما الجغرافي. فإذا كان بمقدور الصين ترسيخ مكانتها حامية للرخاء والتنمية الاقتصادية من خلال "البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية" (AIIB) التابع لها وكذلك مبادرة طريق الحرير الجديد (OBOR)، عندئذ يمكن للأوضاع أن تتحسن في منطقة آسيا الوسطى المتقلبة، ولاسيما أن كليهما يهدف إلى تعزيز الاقتصاد المحلي لدول آسيا الوسطى والحفاظ عليها بعيدًا عن فَلَك موسكو.

بالنسبة لوسط آسيا، فإن تدني أسعار النفط وكذلك تباطؤ النمو الاقتصادي سيكشف عن العيوب الهيكلية المتأصلة في اقتصادات دول تلك المنطقة. ولهذا، فإن التوقعات الاقتصادية القاتمة قد تسببت في تذبذب العملة كما أدت إلى تطبيق إجراءات لتقليص الإنفاق العام إضافة إلى ما نتج عن ذلـك من بطالة بين فئات الشباب، ويمكن لهذا كله أن يؤدي في نهاية المطاف إلى انشقاق سياسي واسع عبر أرجاء دول المنطقة.

ووفقًا لاستراتيجية برنامج التعاون الاقتصادي الإقليمي لآسيا الوسطى 2030 (CAREC)، فإن بمقدور منطقة آسيا الوسطى الاستفادة القصوى من إمكاناتها الهائلة من خلال الربط بين الشعوب، وتبني مشروعات وسياسات اقتصادية سليمة. علاوةً على ذلـك، فإن تعزيز دعم مجالات التعاون في مجالات مثل الطاقة وتسهيل النقل والتجارة يمكن أيضـًا أن يضع المنطقة بأسرها على مسار التعافي. في حين أن غياب التعاون في مجالات مثل الزراعة وموارد المياه هي من بين التحديات الكبرى التي تعوق التنمية الاقتصادية الإقليمية. وعلى المستوى العام، فإن الوضع الأمني في أفغانستان قد جعل القنوات الاقتصادية في المنطقة أسيرة التهديد؛ وبهذا ظلت العلاقات التجارية لآسيا الوسطى مع جنوب آسيا دون المستوى الأمثل، على الأقل في خمسة وعشرين عامًا الأولى من استقلالها. وبدون تحقيق الاستقرار في أفغانستان، قد تعجز المنطقة بأسرها عن تنفيذ مشروعها الحيوي لتحقيق التكامل بطريقة جادة وذات مغزى.

وحيث إن معظم بلدان آسيا الوسطى أسهمت في تأسيس المنظمات الإقليمية، فإن استقرار وأمن تلك الدول يمكن أن يؤثِّر بشكل مباشر على السير في اتجاه التكامل والتعاون الاقتصادي. علاوةً على ذلـك، فإن الأفق المستقبلي لتحقيق التعاون الدولي والإقليمي في آسيا الوسطى سيتوقف على مدى ترابط المصالح.

ومع ذلـك، فإن كل دولة من دول آسيا الوسطى تسعى لنيل طموح تحقيق التكامل مع الدول الإقليمية الأخرى، إلا أن استبيانًا شعبيًّا أجرته كازاخستان يُظهر أن تلك الدول لا تعتبر بعضها البعض الشريك الاقتصادي والسياسي الأساسي.

في الوقت ذاته، فإن الصين تسعى وبشكل فعال لتوسيع نفوذها الاقتصادي، كما أن الحرب مع أفغانستان المجاورة تضع الشرايين الاقتصادية الحيوية راضخة تحت التهديد المستمر.

الفرص السانحة

نظرًا للدور والمصلحة الجيوسياسية المتطورة للصين، فإن وتيرة الاستثمارات الصينية وعلاقاتها التجارية مع دول آسيا الوسطى قد شهدت تحولًا إيجابيًّا ملحوظًا؛ حيث بلغ حجم التبادل التجاري بينها في العام 2010 نحو ثمانية وعشرين مليار دولار في حين لم يتعدَّ المليار دولار سابقًا. في المقابل، ونظرًا للتحديات الاقتصادية الداخلية في روسيا، فإن انخراطها الاقتصادي في المنطقة بلغ نحو خمسة عشر مليار دولار في العام 2010. وينظر بعض دول آسيا الوسطى إلى المخططات الاقتصادية الطموحة للصين في آسيا الوسطى على أنها لحظة سانحة لتنويع مسارات صادرات الطاقة لديها. من جهة أخرى، وحيث إن بكين تعتمد منذ القدم على الواردات المنقولة بحرًا لتغذية اقتصادها، فإن أحد الأسباب الاستراتيجية وراء قيام الصين بتشييد بنية تحتية إقليمية هو جعل خطوط الطاقة ضمن فَلَكها الأمني وتقليص اعتمادها على البحار فيما يخص واردات الطاقة.

وفي إطار سعيها لتحقيق أهدافها الاقتصادية، فإن الصين على طريقها لاستبدال نمطها الاقتصادي الخاضع للصادرات ليحل محله نمط اقتصادي قائم على الاستهلاك. وهذا بحدِّ ذاته سيُحدث تغييرًا جوهريًّا في ديناميكيات علاقات الصين حول العالم. ومن أجل إشباع اقتصادها المحلي، فإن الصين ستقوم بتوسيع مجالات علاقاتها وتعاونها مع دول آسيا الوسطى، حيث الموارد الطبيعية متاحة بوفرة.

بالتزامن مع ذلـك، تعاود الصين التحول نحو الشرق وآسيا الوسطى هي المركز الاقتصادي الوحيد الذي إذا حظي بالاستقرار سيُتوَّج بتحويل "الحلم الآسيوي" إلى واقع ملموس. إن الاستقرار الاقتصادي وكذلك استدامة مشروع البنيان الآسيوي بأكمله يتوقف بشكل أساسي على وجود منطقة آسيا الوسطى الخالية من التوترات أو القلاقل. وفي الوقت ذاته، فإن إسرائيل وبعض الدول العربية تستهدف توسيع علاقاتها مع آسيا الوسطى بغية تعزيز مصالحها الاقتصادية وذلك من خلال استهداف ما يطلق عليه الصينيون: "مشروع القرن".

تتمتع منطقة آسيا الوسطى بصلات بينية وثيقة جديرة بالاعتبار في تحسين العلاقات التجارية وعلاقات الطاقة عبر أرجاء قارة آسيا وما وراءها. كما أن الهوس المتنامي للهند وباكستان وأفغانستان بتضافر مصالحهم الاقتصادية مع آسيا الوسطى يُعد دليلًا على حقيقة أن هذه المنطقة ليست ممرًّا أرضيًّا إلى الصين فحسب، بل إلى شبه القارة الهندية بأكملها. ولذلـك، فإن إعادة تركيز الاهتمام العالمي على التواصل والنقل عبر بحر قزوين وما يترتب عليه من قضايا أمنية باتت مجالات مهمة تحظى بوزن معتبر بالنسبة لهذه المنطقة.

يوفر الموقع الجيوسياسي لمنطقة آسيا الوسطى فرصًا عديدة، فالدافع الاقتصادي العولمي للصين وكذلك تحول القوة الاقتصادية العظمى نحو الشرق ما هي إلا فرص غير مسبوقة ومحورها قلب هذه المنطقة. والاستعانة بالمنطق الاقتصادي عند استغلال هذه الفرص يمكن أن يحقق مكسبًا لجميع الأطراف المعنية، والذي في نهاية المطاف سيحقق رخاءً يتشاطره الجميع.

التحديات الأمنية

إن أهمية منطقة آسيا الوسطى في السياسة العالمية جرى الإقرار بها تاريخيًّا من قِبل الباحث والمنظِّر السياسي "هالفورد ماكيندر"، حين اعتبر أن منطقة آسيا الوسطى تحمل أبعادًا جيوسياسية مهمة، وأن الريادة الحميدة ذات الرؤية يمكن أن تستغل ذلـك لخلق توازن قاري مستديم. وبالرغم من ذلـك، إذا تحولت المنطقة إلى رقعة شطرنج تتصارع عليها القوى لبسط النفوذ والسيادة العالمية، فإن المنطقة قد تتهاوى إلى غياهب فوضى أبدية.

وفي ظل التطورات العالمية الأخيرة، باتت منطقة آسيا الوسطى بصدد التحول ومواجهة تحديات أمنية مشتركة. التحديات الأمنية والاقتصادية والجيوسياسية في المنطقة مترابطة ومتشابكة، ولهذا، فهي في حاجة إلى حلول مشتركة ومتزامنة.

إن وفرة موارد الطاقة الغنية في منطقة آسيا الوسطى، والموقع الجيوسياسي لها وكذلك خطر الإرهاب الدولي والتجارة الدولية المشتركة، إضافة إلى النزاع الأفغاني؛ كلها عوامل تغري القوى صاحبة النفوذ على التنافس في المنطقة. ويفسر بعض الخبراء المصلحة الأميركية أو التزامها تجاه آسيا الوسطى ومنطقة بحر قزوين على أنها محاولة استراتيجية من جانب واشنطن لاحتواء الطموحات الروسية ومجابهتها. ولقد فجَّر ذلـك نوعًا من جنون العظمة في الكرملين وعواصم آسيا الوسطى.

على الصعيد الداخلي، فإن المنظمات الإرهابية التي تترعرع محليًّا هي بمثابة صب الزيت على النار حيث تزيد من هشاشة نظام آسيا الوسطى؛ ففي العقدين الأخيرين، حقق كلٌّ من الحركة الإسلامية في أوزبكستان (IMU) واتحاد الجهاد الإسلامي (IJU) نموًّا من حيث الحجم والعدد كما أن أيديولوجيتهما باتت أكثر تطرفًا بسبب ارتباطهما الوثيق بالقاعدة وطالبان. وكلتا الجماعتين (الحركة الإسلامية في أوزبكستان واتحاد الجهاد الإسلامي) يشكِّلان تهديدًا جسيمًا لأمن واستقرار قيرغيزستان وطاجيكستان.

وفوق هــذا كله، فإن الشبكات الإرهابية في أفغانستان وباكستان تشكِّل هي الأخرى تهديدًا لأمن آسيا الوسطى. فهذه الظاهرة التي انتشرت عبر حدود أفغانستان إلى آسيا الوسطى تظل وبشكل كبير محل تخمين واسع، إلا أنه بدلًا من تضافر الموارد السياسية والاستراتيجية معًا لحل النزاع الأفغاني وبالتالي استعادة الاستقرار إلى كامل المنطقة، فإن كل دولة منفردة تطرح بل وتؤيد حلًّا مختلفًا لمستقبل أفغانستان. وهذا بحدِّ ذاته يزيد من تعقيدات التحديات السياسية التي تواجه دول المنطقة بأسرها.

في الغالب، إن العنف في منطقة آسيا الوسطى ينبع من غياب الاستقرار لدى حكومات تخضع لحكم ديكتاتوري سلطوي وفاسد. وهذا يزيد من ضخامة التهديدات الموجهة سواء من الجبهة الداخلية أو من داخل البلد الجار، أفغانستان. إن تعزيز الأمن في آسيا الوسطى بدوره سيعيد الاستقرار إلى شمال أفغانستان كما سيوقف حركة تجارة المخدرات من أفغانستان أيضـًا.

ففي الوقت الذي استغل الغرب فيه نفوذه، كما هو ثابت تاريخيًّا، لغزو المناطق التي تكون لقمة سائغة سياسيًّا، ولإحكام سيطرته وحكمه عليها اقتصاديًّا، فإن إحدى الميزات الفريدة للسياسة الخارجية للصين هي أنها تقوم برسم مخطط اقتصادي للدول الغنية بالموارد كي تمهد الطريق لظهور نظام سياسي حسن النية. تتمتع منطقة آسيا الوسطى بموقع استراتيجي بين قوتين عظميين متنافستين، هما: روسيا والصين، رغم أن الأخيرة تفوقت على الأولى من حيث الجوانب الاقتصادية.

وعلى خلفية هذا التنافس، فإن شعب آسيا الوسطى قلق بشأن قدرة حكوماته على الانسحاب من هذه الأغلال الجيوسياسية. إن النظم القمعية ووجهات النظر السياسية المتباينة حول مواجهة التحديات الأمنية وكذلك الإرهاب المتفشي داخليًّا وشبكاته في كل من باكستان وأفغانستان إضافة إلى تعقيدات النفوذ الصيني تعتبر هي التحديات الأمنية الأبرز في منطقة آسيا الوسطى. ولقد تسبَّب ذلـك في أن تحولت منطقة آسيا الوسطى إلى أرض خصبة لنمو الشبكات الإرهابية التي بات بمقدورها القيام وبكل سهولة بترسيخ قدمها على أرض المنطقة.

التهديد الناشئ من تنظيم الدولة ضد آسيا الوسطى

بعد إعلان هزيمة الدولة الإسلامية (داعش) في العراق وسوريا، توقَّع بعض الخبراء أن تنقل الجماعة قاعدتها إلى أفغانستان. وبعد هذه التخمين، حذَّر المتحدث باسم وزارة الخارجية الروسية من أن خطر استغلال داعش لأفغانستان لتكون قاعدة انطلاق لها في المنطقة قد بات واقعًا ملموسًا. وحيث إن موسكو تعتبر دول آسيا الوسطى بمثابة فلك نفوذها، فإن الكرملين قد يبدو راغبًا في دعم تلك الدول في إطار معاهدة منظمة معاهدة الأمن الجماعي (CSTO).

ورغم أن الهجوم القاسي والمفتِّت لموسكو قد فكَّك أوصال توسع داعش السريع في سوريا، فإن الدولة الإسلامية لا تزال حاضرة في بلدان مثل ليبيا والفلبين وأفغانستان، ولذلك يظل تهديد داعش باقيًا وبعيدًا عن أية نهاية محتملة. الزخم الذي تكتسبه داعش في أفغانستان قد أثار حفيظة عواصم دول آسيا الوسطى بشكل واضح. حتى الآن، لم يظهر أثر واضح للتنظيم في آسيا الوسطى، ومع ذلـك، فإن الحركة الإسلامية في أوزبكستان (IMU)، وهي حركة توصف بـ"الإرهابية"، أعلنت مؤخرًا ولاءها لتنظيم الدولة، إضافة إلى انخراط السكان الأصليين لدول آسيا الوسطى في هجمات في المدن الغربية مما ينذر ببوادر الخطر القادم من هذه المنطقة.

بعد الإعلان المنتشي عن هزيمة التنظيم في العراق وسوريا، يعتقد بعض المحللين أن القاعدة الأساسية لتنظيم الدولة قد انتقلت أيضـًا إلى أفغانستان. ولقد قام التنظيم بالفعل بإنشاء إقليم خاص بها داخل أفغانستان، كما أنها تحاول القيام تكتيكيًّا بتوسيع نفوذها في الشمال الأفغاني، حيث تهدف إلى تأمين مدخل إلى المناطق الحدودية لآسيا الوسطى وإقليم سنجان الصيني ذاتي الحكم.

ووفقًا لبعض التقارير، فإنه بالإضافة إلى 8.700 روسي يقاتلون في صفوف التنظيم، هناك عدد كبير من مقاتلي التنظيم ينحدر من آسيا الوسطى. كما أن بعض مقاتلي التنظيم الذين قاموا بتنفيذ هجمات في تركيا وأوروبا والولايات المتحدة هم من أصول وسط آسيوية. وعقب تلك الهجمات، تم تسليط الضوء على الأدوار التي لعبتها أوزبكستان وآسيا الوسطى لتكون قاعدة تجنيد ومنصة انطلاق للجماعات الإرهابية التي تنفذ عمليات عابرة للحدود.

وباستثناء قرغيزستان، فإن العديد من شعوب دول آسيا الوسطى يرضخون تحت نظم حكم قمعية، ولقد أدى هذا الأمر إضافة إلى ضعف تنظيم داعش في الشرق الأوسط إلى الزج بدول آسيا الوسطى التي تعاني مسبقًا من هشاشة واضحة في وضع صعب غير مواتٍ. وبهذا، فإن الوضع غير المستقر إضافة إلى الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية قد خلقت أرضية خصبة وفرصة سانحة لتنظيم الدولة لتجنيد العديد من مقاتليه.

يُعتبر القرب الجغرافي بين منطقتي الشرق الأوسط وآسيا الوسطى عاملًا آخر لزيادة اهتمام داعش حيث يمكن لمقاتليها المجندين من آسيا الوسطى التنقل بحرية بين الحدود القريبة والحافلة بالثغرات. كما أن تنظيم الدولة، إذا نجح في توسيع نفوذه في آسيا الوسطى، قادر بنفس الطريقة على تعزيز قدراته وذلك باستغلال الموارد الطبيعية في المنطقة حيث تحظى بنحو 10% من مخزون النفط الطبيعي في العالم و20% من الغاز وهذا كفيل بتقوية شوكة التنظيم.

الخـلاصة

بعد أن خسر تنظيم الدولة رقعته الأرضية لصالح روسيا والولايات المتحدة ودول أخرى، بات في حالة بحث عن بقعة هشة يمكن له أن يحولها بسهولة إلى قاعدة له لتنفيذ مخططاته. وبنفس الطريقة التي استغل بها التنظيم شرايين الحياة لاقتصادات الدول العربية في تعزيز قبضته. فإن تفادي وقوع نفس السيناريو في آسيا الوسطى يتلخص في النهج الجماعي المشترك في مواجهة هذا التهديد.

إن المصير الاستراتيجي لمنطقة آسيا الوسطى يتأرجح بين بصيص أمل وهاجس رعب، فالكثير من النعم والفرص التي إذا تم التعامل معها بشكل حصيف سيُرسم مسار مستقبلها وفق آمال شعوبها. إن النقاش الاستراتيجي حول منطقة آسيا الوسطى يكتسب زخمًا في وقت بات فيه فن قرع طبول الحرب وإشعالها صنعةً لكثير من الجهات. فمن لا يتمكن من تبني إجراءات استباقية لتفادي تلك الحروب سينتهي به المطاف خاسرًا ومنهزمًا. إن الواقع المعاصر يشف عن أن الأهداف المبتغاة لإرساء السلام والرخاء الاقتصادي يمكن أن تتحقق فقط من خلال روح الشراكة الدائمة، التي يمكن أن تنطلق إلى الأمام بشكل فعَّال لتتغلب على تحديات لا تُحصى تهدد وجودنا وبقاءنا جميعًا.

المصدر: مركز الجزيرة للدراسات

تعليقات

أضف تعليقا